سورة الفاتحة




سورة الفاتحة
التفسير الميسر


( 1 ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
( 1 )   سورة الفاتحة سميت هذه السورة بالفاتحة؛ لأنه يفتتح بها القرآن العظيم، وتسمى المثاني؛ لأنها تقرأ في كل ركعة، ولها أسماء أخر. أبتدئ قراءة القرآن باسم الله مستعينا به، (اللهِ) علم على الرب -تبارك وتعالى- المعبود بحق دون سواه، وهو أخص أسماء الله تعالى، ولا يسمى به غيره سبحانه. (الرَّحْمَنِ) ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق، (الرَّحِيمِ) بالمؤمنين، وهما اسمان من أسمائه تعالى، يتضمنان إثبات صفة الرحمة لله تعالى كما يليق بجلاله.


( 2 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
( 2 )   (الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ) الثناء على الله بصفاته التي كلُّها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، وفي ضمنه أَمْرٌ لعباده أن يحمدوه، فهو المستحق له وحده، وهو سبحانه المنشئ للخلق، القائم بأمورهم، المربي لجميع خلقه بنعمه، ولأوليائه بالإيمان والعمل الصالح.


( 3 ) الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
( 3 )   (الرَّحْمَنِ) الذي وسعت رحمته جميع الخلق، (الرَّحِيمِ)، بالمؤمنين، وهما اسمان من أسماء الله تعالى.


( 4 ) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
( 4 )   وهو سبحانه وحده مالك يوم القيامة، وهو يوم الجزاء على الأعمال. وفي قراءة المسلم لهذه الآية في كل ركعة من صلواته تذكير له باليوم الآخر، وحثٌّ له على الاستعداد بالعمل الصالح، والكف عن المعاصي والسيئات.


( 5 )  إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( 5 )   إنا نخصك وحدك بالعبادة، ونستعين بك وحدك في جميع أمورنا، فالأمر كله بيدك، لا يملك منه أحد مثقال ذرة. وفي هذه الآية دليل على أن العبد لا يجوز له أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة كالدعاء والاستغاثة والذبح والطواف إلا لله وحده، وفيها شفاء القلوب من داء التعلق بغير الله، ومن أمراض الرياء والعجب، والكبرياء.


( 6 )  اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
( 6 )   دُلَّنا، وأرشدنا، ووفقنا إلى الطريق المستقيم، وثبتنا عليه حتى نلقاك، وهو الإسلام، الذي هو الطريق الواضح الموصل إلى رضوان الله وإلى جنته، الذي دلّ عليه خاتم رسله وأنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، فلا سبيل إلى سعادة العبد إلا بالاستقامة عليه.



( 7 )  صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
( 7 )   طريق الذين أنعمت عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، فهم أهل الهداية والاستقامة، ولا تجعلنا ممن سلك طريق المغضوب عليهم، الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به، وهم اليهود، ومن كان على شاكلتهم، والضالين، وهم الذين لم يهتدوا، فضلوا الطريق، وهم النصارى، ومن اتبع سنتهم. وفي هذا الدعاء شفاء لقلب المسلم من مرض الجحود والجهل والضلال، ودلالة على أن أعظم نعمة على الإطلاق هي نعمة الإسلام، فمن كان أعرف للحق وأتبع له، كان أولى بالصراط المستقيم، ولا ريب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أولى الناس بذلك بعد الأنبياء عليهم السلام، فدلت الآية على فضلهم، وعظيم منزلتهم، رضي الله عنهم. ويستحب للقارئ أن يقول في الصلاة بعد قراءة الفاتحة: (آمين)، ومعناها: اللهم استجب، وليست آية من سورة الفاتحة باتفاق العلماء؛ ولهذا أجمعوا على عدم كتابتها في المصاحف.


متن الأربعين النووية

متن الأربعين النووية


متن الأربعين النووية

مع زيادة ابن رجب


حديث : إنما الأعمال بالنيات

حديث : جبريل عليه السلام

حديث: بُني الإسلام على خمس

حديث : إن أحدكم يُجمع خلقه

حديث: من أحدث في أمرنا هذا

حديث : الحلال بيّن والحرام بيّن

حديث : الدين النصيحة

حديث : أُمرت أن أقاتل الناس

حديث : ما نهيتكم عنه فاجتنبوه

حديث : إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا

حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك

حديث : من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه

حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه

حديث : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث

حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه

حديث : لا تغضب

حديث : فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة

حديث : اتق الله حيثما كنت

حديث : احفظ الله يحفظك

حديث : إذا لم تستح فاصنع ما شئت

حديث : قل آمنت بالله ثم استقم

حديث : أرأيت إذا صليت المكتوبات

حديث : الطهور شطر الإيمان

حديث : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي

حديث : ذهب أهل الدثور بالأجور

حديث : كل سلامى من الناس عليه صدقة

حديث : البر حسن الخلق

حديث : فعليكم بسنتي

حديث : ألا أدلك على أبواب الخير

حديث : إن الله فرض فرائض فلا تضيِّعوها

حديث : ازهد في الدنيا يحبك الله

حديث : لا ضرر ولا ضرار

حديث : البينة على المدعي

حديث : من رأى منكم منكرا فليغيره

حديث : وكونوا عباد الله إخوانا

حديث : من نفس عن مؤمن كُربة

حديث : إن الله كتب الحسنات والسيئات

حديث : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب

حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان

حديث : كن في الدنيا كأنك غريب

حديث : حتى يكون هواه تبعا لما جئت به

حديث : إنك ما دعوتني ورجوتني

اذا وجدت خطأ قم بمراسلتنا رجاء

حديث

حديث

الحديث الثاني

عن عمر رضي الله عنه أيضا ، قال : بينما نحن جلوس عـند رسـول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم اذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثـر السفر ولا يعـرفه منا احـد.  حتى جـلـس إلى النبي صلي الله عليه وسلم فـأسند ركبـتيه إلى ركبتـيه ووضع كفيه على فخذيه، وقـال: " يا محمد أخبرني عن الإسلام ".
      فقـال رسـول الله صـلى الله عـليه وسـلـم :
(الإسـلام أن تـشـهـد أن لا إلـه  إلا الله وأن محـمـد رسـول الله وتـقـيـم الصلاة وتـؤتي الـزكاة وتـصوم رمضان وتـحـج البيت إن اسـتـطـعت اليه سبيلا).
      قال : صدقت.
      فعجبنا له ، يسأله ويصدقه ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‌‌؟
      قال : فأخبرني عن الإيمان .
      قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر وتؤمن بالقدر خيره  وشره .
      قال : صدقت .
      قال : فأخبرني عن الإحسان .
      قال : ان تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
      قال : فأخبرني عن الساعة .
      قال : "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل "
      قال : فأخبرني عن أماراتها .
      قال : " أن تلد الأم ربتها ، وان ترى الحفاة العراة العالة  رعاء الشاء
      يتطاولون في البنيان"
      ثم انطلق ، فلبثت مليا ،ثم قال :" يا عمر أتدري من السائل ؟"
      قلت : "الله ورسوله أعلم ".
      قال : فإنه جبريل ، اتاكم يعلمكم دينكم "

رواه مسلم [ رقم : 8 ].

حديث : إنما الأعمال بالنيات

حديث : إنما الأعمال بالنيات


الحديث الأول

       عن أمـيـر المؤمنـين أبي حـفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يـقـول :


 ( إنـما الأعـمـال بالنيات وإنـمـا لكـل  امـرئ ما نـوى . فمن كـانت هجرته إلى الله ورسولـه فهجرتـه إلى الله ورسـوله ومن كانت هجرته لـدنيا يصـيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ).


رواه إمام المحدثين أبـو عـبـد الله محمد بن إسماعـيل بن ابراهـيـم بن  المغيرة بن بـرد زبه البخاري الجعـفي،[رقم:1]
 وابـو الحسـيـن مسلم بن الحجاج  بن مـسلم القـشـيري الـنيسـابـوري [رقم :1907]
رضي الله عنهما في صحيحيهما  اللذين هما أصح الكتب المصنفة. 



عبدالرحمن بن عوف



عبدالرحمن بن عوف 
( ما يبكيك يا أبا محمد )

ذات يوم, والمدينة ساكنة هادئة, أخذ يقترب من مشارفها نقع كثيف, راح يتعالى ويتراكم حتى كاد يغطي الأفق.
ودفعت الريح هذه الأمواج من الغبار المتصاعد من رمال الصحراء الناعمة, فاندفعت تقترب من أبواب المدينة, وتهبّ هبوبا قويا على مسالكها.
وحسبها الناس عاصفة تكنس الرمال وتذروها, لكنهم سرعان ما سمعوا وراء ستار الغبار ضجة تنبئ عن قافلة كبيرة مديدة.
ولم يمض وقت غير وجيز, حتى كانت سبعمائة راحلة موقرة الأحمال تزحم شوارع المدينة وترجّها رجّا, ونادى الناس بعضهم بعضا ليروا مشهدها الحافل, وليستبشروا ويفرحوا بما تحمله من خير ورزق..

  وسألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها, وقد تردد إلى سمعها أصداء القافلة الزاحفة..
سألت: ما هذا الذي يحدث في المدينة..؟
وأجيبت: إنها قافلة لعبدالرحمن بن عوف جاءت من الشام تحمل تجارة له..
قالت أم المؤمنين:
قافلة تحدث كل هذه الرّجّة..؟!
أجل يا أم المؤمنين.. إنها سبعمائة راحلة..!!
وهزت أم المؤمنين رأسها, وأرسلت نظراتها الثاقبة بعيدا, كأنها تبحث عن ذكرى مشهد رأته, أو حديث سمعته..
"أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
رأيت عبدالرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا"..
  
  عبدالرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا..؟
ولماذا لا يدخلها وثبا هرولة مع السابقين من أصحاب رسول الله..؟
ونقل بعض أصحابه مقالة عائشة إليه, فتذكر أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث أكثر من مرة, وبأكثر من صيغة.
وقبل أن تفضّ مغاليق الأحمال من تجارته, حث خطاه إلى بيت عائشة وقال لها: لقد ذكّرتيني بحديث لم أنسه..

  ثم قال:
" أما إني أشهدك أن هذه القافلة بأحمالها, وأقتابها, وأحلاسها, في سبيل الله عز وجل"..
ووزعت حمولة سبعمائة راحلة على أهل المدينة وما حولها في مهرجان برّ عظيم..!!
هذه الواقعة وحدها, تمثل الصورة الكاملة لحياة صاحب رسول الله عبدالرحمن بن عوف".
فهو التاجر الناجح, أكثر ما يكون النجاح وأوفاه..
وهو الثري, أكثر ما يكون الثراء وفرة وإفراطا..
وهو المؤمن الأريب, الذي يأبى أن تذهب حظوظه من الدين, ويرفض أن يتخلف به ثراؤه عن قافلة الإيمان ومثوبة الجنة.. فهو رضي الله عنه يجود بثروته في سخاء وغبطة ضمير..!!
  
  متى وكيف دخل هذا العظيم الإسلام..؟
لقد أسلم في وقت مبكر جدا..
بل أسلم في الساعات الأولى للدعوة, وقبل أن يدخل رسول الله دار الأرقم ويتخذها مقرا لالتقائه بأصحابه المؤمنين..
فهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام..
عرض عليه أبوبكر الإسلام هو وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص, فما غمّ عليهم الأمر ولا أبطأ بهم الشك, بل سارعوا مع الصدّيق إلى رسول الله يبايعونه ويحملون لواءه.
ومنذ أسلم إلى أن لقي ربه في الخامسة والسبعين من عمره, وهو نموذج باهر للمؤمن العظيم, مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يضعه مع العشرة  الذين بشّرهم بالجنة.. وجعل عمر رضي الله عنه يضعه مع أصحاب الشورى الستة الذين جعل الخلافة فيهم من بعده قائلا:" لقد توفي رسول الله وهو عنهم راض".
وفور إسلام عبدالرحمن بن عوف حمل حظه المناسب, ومن اضطهاد قريش وتحدّياتها..
وحين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة هاجر ابن عوف ثم عاد إلى مكة, ثم هاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية ثم هاجر إلى المدينة.. وشهد بدرا, وأحدا, والمشاهد كلها..
   وكان محظوظا في التجارة إلى حدّ أثار عجبه ودهشه فقال:
" لقد رأيتني, لو رفعت حجرا, لوجدت تحت فضة وذهبا"..!!
ولم تكن التجارة عند عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه شرها ولا احتكارا..
بل لم تكن حرصا على جمع المال شغفا بالثراء..
كلا..
إنما كانت عملا, وواجبا يزيدهما النجاح قربا من النفس, ومزيدا من السعي..
وكان ابن عوف يحمل طبيعة جيّاشة, تجد راحتها في العمل الشريف حيث يكون..
فهو إذا لم يكن في المسجد يصلي, ولا في الغزو يجاهد فهو في تجارته التي نمت نموا هائلا, حتى أخذت قوافله تفد على المدينة من مصر, ومن الشام, محملة بكل ما تحتاج إليه جزيرة العرب من كساء وطعام..
ويدلّنا على طبيعته الجيّاشة هذه, مسلكه غداة هجر المسلمين إلى المدينة..
لقد جرى نهج الرسول يومئذ على أن يؤاخي بين كل اثنين من أصحابه, أحدهما مهاجر من مكة, والآخر أنصاري من المدينة.
وكانت هذه المؤاخاة تم على نسق يبهر الألباب, فالأنصاري من أهل المدينة يقاسم أخاه المهاجر كل ما يملك.. حتى فراشه, فإذا كان تزوجا باثنين طلق إحداهما, ليتزوجها أخوه..!!
ويومئذ آخى الرسول الكريم بين عبدالرحمن بن عوف, وسعد بن الربيع..
ولنصغ للصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه يروي لنا ما حدث:
" .. وقال سعد لعبدالرحمن: أخي, أنا أكثر أهل المدينة مالا, فانظر شطر مالي فخذه!!
وتحتي امرأتان, فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلقها, وتتزوجها..!
فقال له عبدالرحمن بن عوف:
بارك الله لك في أهلك ومال..
دلوني على السوق..
وخرج إلى السوق, فاشترى.. وباع.. وربح"..!!
وهكذا سارت حياته في المدينة, على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته, أداء كامل لحق الدين, وعمل الدنيا.. وتجارة رابحة ناجحة, لو رفع صاحبها على حد قوله حجرا من مكانه لوجد تحته فضة وذهبا..!!
ومما جعل تجارته ناجحة مباركة, تحرّيه الحلال, ونأيه الشديد عن الحرام, بل عن الشبهات..
كذلك مما زادها نجاحا وبركة أنها لم تكن لعبدالرحمن وحده.. بل كان لله فيها نصيب أوفى, يصل به أهله, وإخوانه, ويجهّز به جيوش الإسلام..

  وإذا كانت الجارة والثروات, إنما تحصى بأعداد رصيدها وأرباحها فان ثروة عبدالرحمن بن عوف إنما تعرف مقاديرها وأعدادها بما كان ينفق منها في سبيل الله رب العالمين..!!
لقد سمع رسول الله يقول له يوما:
" يا بن عوف انك من الأغنياء..
وانك ستدخل الجنة حبوا..
فأقرض الله يطلق لك قدميك"..
ومن سمع هذا النصح من رسول الله, وهو يقرض ربه قرضا حسنا, فيضاعفه له أضعافا كثيرة.
باع في يوم أرضا بأربعين ألف دينار, ثم فرّقها في أهله من بني زهرة, وعلى أمهات المؤمنين, وفقراء المسلمين.
وقدّم يوما لجيوش الإسلام خمسمائة فرس, ويوما آخر ألفا وخمسمائة راحلة.
وعند موته, أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله, وأوصى  لكل من بقي ممن شهدوا بدرا بأربعمائة دينار, حتى إن عثمان بن عفان رضي الله عنه, أخذ نصيبه من الوصية برغم ثرائه وقال:" إن مال عبدالرحمن حلال صفو, وان الطعمة منه عافية وبركة".
  
  كان ابن عوف سيّد ماله ولم يكن عبده..
وآية ذلك أنه لم يكن يشقى بجمعه ولا باكتنازه..
بل هو يجمعه هونا, ومن حلال.. ثم لا ينعم به وحده.. بل ينعم به معه أهله ورحمه وإخوانه ومجتمعه كله.
ولقد بلغ من سعة عطائه وعونه أنه كان يقال:
" أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله.
" ثلث يقرضهم..
وثلث يقضي عنهم ديونهم..
وثلث يصلهم ويعطيهم.."
ولم كن ثراؤه هذا ليبعث الارتياح لديه والغبطة في نفسه, لو لم يمكّنه من مناصرة دينه, ومعاونة إخوانه.
أما بعد هذا, فقد كان دائم الوجل من هذا الثراء..
جيء له يوما بطعام الإفطار, وكان صائما..
فلما وقعت عيناه عليه فقد شهيته وبكى وقال:
" استشهد مصعب بن عمير وهو خير مني, فكفّن في بردة إن غطت رأسه, بدت رجلاه, وان غطت رجلاه بدا رأسه.
واستشهد حمزة وهو خير مني, فلم يوجد له ما يدفن فيه إلا بردة.
ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط, وأعطينا منها ما أعطينا واني لأخشى أن نكون قد عجّلت لنا حسناتنا"..!!
واجتمع يوما نع بعض أصحابه على طعام عنده.
وما كاد الطعام يوضع أمامهم حتى بكى وسألوه:
ما يبكيك يا أبا محمد..؟؟
قال:
" لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير..
ما أرانا أخرنا لم هو خير لنا"..!!
كذلك لم يبتعث ثراؤه العريض ذرة واحدة من الصلف والكبر في نفسه..
حتى لقد قيل عنه: انه لو رآه غريب لا يعرفه وهو جالس مع خدمه, ما استطاع أن يميزه من بينهم..!!
لكن إذا كان هذا الغريب يعرف طرفا من جهاد ابن عوف وبلائه, فيعرف مثلا أنه أصيب يوم أحد بعشرين جراحة, وان إحدى هذه الإصابات تركت عرجا دائما في إحدى ساقيه.. كما سقطت يوم أحد بعض ثناياه. فتركت همّا واضحا في نطقه وحديثه..
عندئذ لا غير, يستطيع هذا الغريب أن يعرف أن هذا الرجل الفارع القامة, المضيء الوجه, الرقيق البشرة, الأعرج, الأهتم من جراء إصابته يوم أحد هو عبدالرحمن بن عوف..!!
رضي الله عنه وأرضاه..
  
  لقد عوّدتنا طبائع البشر أن الثراء ينادي السلطة...
أي أن الأثرياء يحبون دائما أن يكون لهم نفوذ يحمي ثراءهم ويضاعفه, ويشبع شهوة الصلف والاستعلاء والأنانية التي يثيرها الثراء عادة..
فإذا رأينا عبدالرحمن بن عوف في ثرائه العريض هذا, رأينا إنسانا عجبا يقهر طبائع البشر في هذا المجال ويتخطاها إلى سموّ فريد..!

حدث ذلك عندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجود بروحه الطاهرة, ويختار ستة رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ليختاروا من بينهم الخليفة الجديد..
كانت الأصابع تومئ نحو ابن عوف وتشير..
ولقد فاتحه بعض الصحابة في أنه أحق الستة بالخلافة, فقال:
" والله, لأن تؤخذ مدية, فتوضع في حلقي, ثم ينفذ بها إلى الجانب الآخر أحب إلي من ذلك"..!!

  وهكذا لم يكد الستة المختارون يعقدون اجتماعهم ليختاروا أحدهم خليفة بعد الفاروق عمر حتى أنبأ إخوانه الخمسة الآخرين أنه متنازل عن الحق الذي أضفاه عمر عليه حين جعله أحد الستة الذين يختار الخليفة منهم.. وأنّ عليهم أن يجروا عملية الاختيار بينهم وحدهم أي بين الخمسة الآخرين..
وسرعان ما أحله هذا الزهد في المنصب مكان الحكم بين الخمسة الأجلاء, فرضوا أن يختار هو الخليفة من بينهم, وقال الإمام علي:
" لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفك بأنك أمين في أهل السماء, وأمين في أهل الأرض"..
واختار ابن عوف عثمان بن عفان للخلافة, فأمضى الباقون اختياره.
  
  هذه حقيقة رجل ثري في الإسلام..
فهل رأيتم ما صنع الإسلام به حتى رفعه فوق الثرى بكل مغرياته ومضلاته, وكيف صاغه في أحسن تقويم..؟؟
وها هو ذا في العام الثاني والثلاثين للهجرة, يجود بأنفاسه..
وتريد أم المؤمنين عائشة أن تخصّه بشرف لم تختصّ به سواه, فتعرض عليه وهو على فراش الموت أن يدفن في حجرتها إلى جوار الرسول وأبي بكر وعمر..
ولكنه مسلم أحسن الإسلام تأديبه, فيستحي أن يرفع نفسه إلى هذا الجوار...!!
ثم انه على موعد سابق وعهد وثيق مع عثمان بن مظعون, إذ تواثقا ذات يوم: أيهما مات بعد الآخر يدفن إلى جوار صاحبه..
  
  وبينما كانت روحه تتهيأ لرحلتها الجديدة كانت عيناه تفيضان من الدمع ولسانه يتمتم ويقول:
" إني أخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة ما كان لي من مال"..
ولكن سكينة الله سرعان ما تغشته, فكست وجهه غلالة رقيقة من الغبطة المشرقة المتهللة المطمئنة..
وأرهفت أذناه للسمع.. كما لو كان هناك صوت عذب يقترب منهما..
لعله آنئذ, كان يسمع صدق قول الرسول صلى الله عليه وسلم له منذ عهد بعيد:

" عبدالرحمن بن عوف في الجنة"..
ولعله كان يسمع أيضا وعد الله في كتابه..
ّالّذيِنَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262))..(البقرة )






من كتاب رجال حول الرسول صلى الله عليه واله وسلم

للمؤلف خالد محمد خالد